القائمة الرئيسية

الصفحات

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثانية (نحن جزء من العالم، ولنا خصوصيتنا)

القاعدة الثانية (نحن جزء من العالم، ولنا خصوصيتنا)

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثانية (نحن جزء من العالم، ولنا خصوصيتنا)



هذه القاعدة تحتاج إلى فهم على مستوى التفاصيل، وتحتاج إلى استحضار يومي، وعند كل جهد تربوي نبذله، فالتربية في الرؤية الإسلامية ليست من أجل تخريج جيل ناجح وقوي ومؤثر فحسب، وإنما هي في الأساس من أجل تنشئة أبناء مؤمنين صالحين أخيار، يعملون على تحقيق مراد اللَّـه - تعالى- على هذه الأرض، من خلال الدعوة والقيام بأمر اللَّـه - تعالى-، وهذا يتم عبر ترسيخ القيم والمبادئ في سلوكهم من منظور الإسلام لها، ومن ترتيبه لها في (سُلَّم القيم).

نحن نريد أن نعيش زماننا من خلال الوعي الكامل بكل معطياته، ونريد أن نشارك في صنع الأحداث، والتأثير في الأوضاع العامة، كما نريد لأبنائنا مثل ذلك، لكن كل ذلك سيكون من أجل هدف نهائي عظيم، هو الفوز برضوان اللَّـه - تعالى -، وهذا لن يتم إلا إذا جعلنا أسرنا تتعلم كيف تقف عند حدود اللَّـه - تعالى - في المنشط والمكره...

إن عنوان هذه القاعدة يشير إلى شيئين أساسيين: 

الأول: أننا في شأننا التربوي جزء من العالم الواسع المحيط بنا، بمعنى أننا نتأثر بتياراته ومشكلاته، ونستفيد من طرائقه وأدواته في تربية صغارنا، ونُصغي إلى كل حِكَمه ومواعظه واكتشافاته بكل حرص وانفتاح، وأنا واثق أننا سنجد الكثير مما ينفعنا في مهمتنا التربوية.

الثاني: مع أننا جزء من العالم، لكننا متميزون عنه على مستويين: مستوى المشكلات، حيث إن مشكلات الأطفال في تونس، أو باكستان، أو ماليزيا، ليست هي عين مشكلات الأطفال في فرنسا، أو أستراليا، أو كندا؛ فالأطفال في هذه الدول ينتمون إلى عوالم مختلفة بكل ما تعنيه الكلمة.

والثالث: مستوى المضامين التربوية، والقيم، والمبادئ، والمفاهيم التي نرى أنها مهمة لتنشئة أبناء صالحين.

إن هذه النوعية من العلاقة مع العالم من حولنا على مستوى التربية - وغير التربية - تشكل مصدرًا للبلبلة والإزعاج والانقسام؛ لأن هذا سيتطلب من أسرنا أن تدقق في كل شيء، وأن تتعلم كيف تختار ما يلائم أبناءها، وكيف تميز بين الجيد والرديء من الأفكار والقيم المطروحة على الساحة التربوية، وهذه عملية صعبة جدًا في ظلال انتشار الفكر السطحي كانتشار النار في الهشيم، لكن ليس أمامنا أي خيار.

ولعلي أشرح ما أريده من وراء ذكر هذه القاعدة عبر الآتي:

لماذا نحن جزء من العالم؟

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثانية (نحن جزء من العالم، ولنا خصوصيتنا)

لماذا نحن جزء من العالم؟ هذا سؤال مهم؛ لأن بعض الناس يتجاهلون تمامًا هذه الحقيقة، وبالتالي؛ فإنهم لا يستطيعون فهم ما يريده أبناؤهم، ولا فهم أشكال معاناتهم، ولا كيفية التعامل مع كل ذلك.

لم نكن في يوم من الأيام أكثر انتماءً للعالم مما نحن عليه اليوم، فوسائل الاتصال والبث الفضائي والإنترنت والعولمة بأدواتها الجبارة، كل ذلك ألغى الحدود بين ما كنا نسميه داخل البلاد وخارجها.

العولمة تعولم الأشياء وتعولم الأفكار والتطلعات والأذواق والمعايير، وتعولم -أيضًا- المشكلات، وأنماط الانحطاط...

كنا في الماضي نربي في بيئات مغلقة نسبيًا، لكننا اليوم نربي وأبواب بيوتنا ونوافذها مشرعة على العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولهذا بالطبع حسناته وسيئاته، ولكن إذا لم ننتبه، ونفهم ما يجري على نحو جيد؛ فقد تغطي السيئات على الحسنات.

نحن كذلك جزء من العالم بما فطر الله عليه البشر من طبائع وحاجات وتطلعات... فما يُدخل السرور على مئة شخص في الصين هو نفسه الذي يُدخل السرور على مائة شخص في لبنان أو أمريكا، وما يُزعج مئة شخص في هولندا هو نفسه الذي يزعج مئة شخص في السودان والفلبين، وهذا طبعًا على مستوى الكليات؛ أي بعيدًا عن التفاصيل الدقيقة التي يختلف فيها الناس في البلد الواحد، وأحيانًا في الأسرة الواحدة، الناس يحبون الثناء والمال والعقار والوجاهة والنفوذ، ويبحثون عن الراحة ورؤية الأشياء الجميلة والمرح والمجاملة... والناس جميعًا يتضايقون من الفقر والمرض والزحام والذم، ويتقززون من رؤية القاذورات والأشياء القبيحة... ولنا أن نقرأ قول الله -تعالى-: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: 14].

ما دامت الطبيعة البشرية متشابهة - إن لم نقل: موحدة - لدى الناس في كل مكان؛ فهذا يعني: أن حاجات أبنائنا ستكون قريبة من حاجات أبناء الناس البعيدين عنا في ثقافاتهم وانتماءاتهم، وسيواجه أبناؤنا في مراحلهم العمرية المختلفة نحوًا مما يواجهه أبناؤهم.

نحن جزء من العالم؛ لأن الغرب يملك خبرات كثيرة جدًا على المستوى التربوي، ولديه كم هائل من البحوث والدراسات والإحصاءات، وقد تمكن من نشرها عبر أنحاء العالم، وقد تغلغلت في كل شرايين الفكر التربوي، وأدبيات التربية لدى كل الشعوب المتحضرة، والسائرة في طريق التحضر، ولا يستطيع أحد أن يغضّ الطرف عنها.

الحكمة تكمن دائما في التواصل مع التمايز

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثانية (نحن جزء من العالم، ولنا خصوصيتنا)

في مسألة الاتصال بالمحيط العالمي والتمايز عنه: هناك شيء مهم هو أن نلاحظ أننا في حاجة إلى العالم في الوقت الذي نخاف فيه من تأثيراته السلبية فينا، وأعتقد أن هذا ينبغي أن يكون هو موقف كل العقلاء.

نحن لا نخشى من الثقافات الأجنبية، ومن تبعات الاحتكاك بها على الصعيد التربوي، في كل ما يعود إلى الوسائل والأساليب والطرق التربوية، وإلى كل ما يعود إلى تشخيص دوافع الأطفال وتحليل سلوكهم، بل إننا في حاجة ماسّة إلى الدراسات والخبرات العالمية في هذه المسائل، وإني ألمس في الكتب التربوية المترجمة الكثير من الأفكار والملاحظات الذكية التي يمكن أن نستفيد منها فوائد لا تقدَّر بثمن، وإن كانت لا تخلو من بعض المبالغات التي تكون عادة عند الذين يعيشون في حالة عالية من الاستقرار والأمن ورغد العيش، ويمكن أن ننظر إلى ذلك على أنه من الخصوصيات الثقافية.

شرح خصوصيتنا على الصعيد التربوي

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثانية (نحن جزء من العالم، ولنا خصوصيتنا)

إذا أردنا أن نتحدث عن خصوصياتنا على الصعيد التربوي؛ فإننا نجد أنها تكمن في أمرين:

أ- مبادئ وقيم أخلاقية نابعة من عقيدتنا ونظرتنا للحياة، ومن الأحكام الشرعية التي توجه سلوكنا وسلوك أبنائنا، وقبل أن أشير إلى شيء منها أحب أن أقول: إن هناك مشتركًا ثقافيًا بين كل الأمم، وهذا المشترك الثقافي يشكل أكثر من ثمانين في المئة من القيم والأخلاق؛ مثل: الرحمة والإحسان، والعدل والتسامح، وإكرام الجار، وبر الوالدين، والوفاء، والصدق، والشجاعة... وإن كان تجسدها في الواقع يختلف من بيئة إلى أخرى؛ فأنت لا تجد أمة تُلَقِّن أطفالها في المدارس: أن الكذب والسرقة والغدر والظلم وإهانة الوالدين أخلاق طيبة عليهم التخلق بها!!

من خصوصياتنا على صعيد القيم: الكثير من العبادات؛ فالصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان تشكل أركان الإسلام الكبرى، ومنها ما يؤدى يوميًا -مثل الصلاة-، وهي تأخذ حيزًا كبيرًا من عناية المربي، كذلك في مسائل العورة والطهارة، ومسائل الاتصال، والصداقة بين الجنسين لنا خصوصية غير موجودة لدى كثير من الأمم، وقُلْ مثل هذا في مسائل الطعام والشراب والسمر والاستمتاع، حيث إن عندنا فيها أحكامًا شرعية واضحة، ولا يستطيع المربي المسلم أن يغض الطرف عن سلوك أولاده فيها.

وربما كان على رأس خصوصياتنا الثقافية نظرتنا إلى الحياة الدنيا، وأنها مزرعة للآخرة، ونظرتنا إلى العلاقة بالله -جل ثناؤه-؛ فهي ليست علاقة معرفة وإقرار بالوجود فحسب، وإنما هي علاقة حب وتعبد وخضوع والتزام بأمره، والوقوف عند نواهيه، والسعي إلى مرضاته في كل حين: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162-163].

ب- سُلَّم القيم، وإعطاء كل قيمة منزله تليق بها، وهذا يشكل الفارق الأساسي بين أمم الأرض اليوم.

إن قانون السلّم القيمي هو أنه حين تتزاحم قيمتان -وهذا يحصل في كل يوم مرات عديدة-؛ فإنه تتم التضحية بالقيمة الأقل شأنًا من أجل الحفاظ على القيمة الأعظم شأنًا. إن نجاح الأبناء قيمة، وهو - أحيانًا - يتطلب السهر من أجل النجاح إلى ما بعد منتصف الليل -كما هو الحال في ليالي الاختبارات- وصلاة الفجر في موعدها قيمة أعظم، ولهذا فإن أي سهر من أجل النجاح ينبغي أن يتم في إطار التمكن من أداء صلاة الفجر في وقتها.

السكنى في مكان جميل قيمة، لكن بر الوالدين قيمة أعظم، ولهذا فإن بر الوالدين يقدم عند عدم رضاهما عن تلك السكنى.

الستر قيمة، والتجمل قيمة، لكن ستر البنت لما يجب عليها ستره قيمة أعظم، ومن هنا؛ فإن كل أشكال التجمل ينبغي أن تتم في إطار الستر. السفر لطلب العلم قيمة عظيمة، ولكن الاستقامة على أمر اللَّـه قيمة أعظم، فإذا غلب على الظن أن سفر أحد الأولاد للدراسة سيؤثر في تدينه، فإننا نتوقف عن إرساله وهكذا...

نتمتع بتنظير تربوي فريد

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثانية (نحن جزء من العالم، ولنا خصوصيتنا)

يختلف التنظير التربوي لدى المسلمين عن التنظير لدى غيرهم، وأستطيع أن أقول بصدق واطمئنان: إن التنظير التربوي لدى كثير من الأمم يعاني من نوع من الاختناق؛ لأن إغراء الأبناء بأن يكونوا طيبين وفضلاء سيظل ضعيفًا ما لم ينسجم ما نعِدهم به مع طموحاتهم العميقة، وذلك لأن الاستقامة تعني الابتعاد عن كثير من الشهوات.

كم سيكون من الصعب حمل ظمآن شديد الظمأ على عدم الشرب من ماء بارد أمامه؟ وكم ينبغي أن يكون ما سنعرضه عليه كبيرًا حتى يستجيب إلينا؟

إنني أشعر بنوع من الأسى والتعاطف حين أجد تربويًا غربيًا يتحدث عن عالم الروح والمعنى، وعن المكافآت السخية التي يجدها المرء في داخله حين يكون فاضلًا، إنه فعلًا أشبه بطائر نشيط يرفرف داخل قفص جميل، كلام جميل، وعبارات رائقة؛ لكنها تفتقر إلى الإقناع؛ لأنها تفتقر إلى المضمون، ومن هنا؛ فإن الأسرة تشهد في الغرب نوعًا من الانهيار السريع، كما أن المجتمعات باتت هناك شبه مفككة، وليس هناك أي أفق لإنتاج أفكار إصلاحية كبيرة تصلح للمعالجة.

هذا ( فولتير ) الفذ والعبقري يفصح عن اعتقاد قوي- على خلاف ما هو مشهور عنه - بوجود اللَّـه - تعالى - وبحكمته، وقصور الأذهان عن الإحاطة به، لكنه لا يملك جوابًا حيال انتشار الشر والظلم بين الناس، كيف أذن اللَّـه - تعالى - بوجوده؟! لأن الملحدين في عصره قالوا: أين العدل والطيبة في هذا الكون، ونحن أمام أمرين: 
  • إما أن الله كان في استطاعته أن يتحاشى الشر، ولم يرد ذلك!
  •  وإما أنه أراد أن يتحاشاه، ولم يستطع!!

وفي الحالة الأولى هل يمكن أن نقول: إنه عادل؟

وفي الحالة الثانية هل يمكن أن نقول: إنه قادر على كل شيء؟

وليس لدى (فولتير) جواب محدد على هذا، أما المسلمون؛ فالجواب عندهم واضح وضوح الشمس، وهو يتلخص في أن هذه الدنيا دار ابتلاء، وهي بمثابة الفصل الأول من رواية ذات فصلين، والآخرة هي دار الجزاء والمحاسبة، واقتصاص الحقوق من الظالمين للمظلومين، وهي بمثابة الفصل الثاني من الرواية، ولهذا؛ فإن وجود الأشرار شيء طبيعي، وعدم معاقبتهم في الدنيا هو -أيضًا- شيء طبيعي، وهذا واضح في آيات جلية، منها قوله -تعالى-: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: 35]، وقوله: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة: 7-8]، وآيات أخرى كثيرة.

إن الإلحاد والحرمان من هدي الوحي، سيجعل اهتمام الباحثين في التربية ينصبّ على الجانب العقلي والجسمي من التربية، مع إهمال الجانب الإيماني والروحي، كما أنهم سوف يوجهون طروحاتهم في اتجاه تحقيق الفوز والنجاح الدنيوي بالمعايير المادية دون الاهتمام بالصلاح الذي يفضي إلى السعادة الأخروية، وهذا يجعل تنظيرنا التربوي مختلفًا اختلافًا كبيرًا.

إن المربي المسلم حين يتحدث عن القدوة في التربية يتحدث عن إنسان هو في نظر الشريعة الغراء إنسان فاضل، كما أنه حين يتحدث عن المنهج التربوي، وعن أهداف التربية يتحدث عن أمور تساعد على تنشئة أبناء صالحين بالمعايير الإسلامية، وفي إطار الآداب الإسلامية، ومن هنا؛ فإن خصوصيتنا التربوية تتجلى على نحو عام في الأهداف والمبادئ  والقيم والآداب، وفي ترتيبها داخل السلم القيمي.

المشتَرك التربوي بيننا وبين الأمم الأخرى أكثر ما يتجلى في الأساليب والأدوات والإجراءات، وعلينا معاشر المربين أن ننشر الوعي بهذا وذاك.

=====================

من كتاب: القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" أ.د.عبدالكريم بكّار.

لتحميل تطبيق القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" بشكل كامل على هواتف الاندرويد إضغط هنا: https://goo.gl/GGK2YC

 

 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات