القائمة الرئيسية

الصفحات

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثالثة (هل البيئة هي كل شيء ؟)

القاعدة الثالثة (هل البيئة هي كل شيء ؟)

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثالثة (هل البيئة هي كل شيء ؟)



جَعَلْتُ هذه القاعدة في صيغة سؤال حتى أستنهض همم قرائي الكرام للتفكير معي في هذا الأمر، ولو قلت: البيئة هي كل شيء، لما كنت مبالغًا أو بعيدًا عن الصواب، طبعًا الصغار يحيون في بيئات عديدة: المنزل، والمدرسة، والشارع، والحي، لكن ما أقصده هنا تحديدًا هو بيئة الأسرة داخل المنزل، فهي في الحقيقة الأكثر تأثيرًا في حياة الأطفال.

تتكون بيئة الأسرة من العديد من العناصر، أهمها: شخصيات أفراد الأسرة، والقيم التي يحملونها، ونوعية العلاقات القائمة بينهم، بالإضافة إلى أسلوب الحياة داخل الأسرة، ووضعية المنزل ومواصفاته... والحقيقة أننا كثيرًا ما نهمل التفكير في هذا الأمر، مع أنه في غاية الأهمية، حتى إنه يحتاج فعلًا إلى هندسة خاصة، وعناية فريدة.

ليس أدل على تأثير البيئة في شخصيات الأطفال - على نحو خاص - من أن أكثر من 99% من الذين ينشؤون في مجتمع مسلم يكونون مسلمين، ولك أن تقول هذا في الذين ينشؤون في مجتمعات نصرانية وبوذية ويهودية... ومن الواضح أنَّ لدينا إلى جانب المشاهدة والخبرة اليقينية فيضًا من الدراسات التي تؤكد على أهمية توفير بيئة أسرية جيدة، ومن تلك الدراسات: دراسة تم إجراؤها حول أثر قيام الأم بمفردها بعملية التنشئة داخل الأسرة، وأوضحت النتائج أن ذلك ينعكس بالسلب على شخصية الطفل بسبب عدم توازنها، وهو يتجسد في غلبة السلوك الطفولي عليه حتى مع وصوله إلى مرحلة المراهقة، وميوله إلى الاعتماد على الآخرين والخضوع، وأحيانًا يؤدي إلى العكس؛ أي: اتصاف الطفل بالتسلط والعناد، مع وجود فوارق بين الجنسين.

ودلت دراسة أخرى: على أن الأطفال الذين يشترك في تربيتهم الأم والأب معًا يتمتعون بقدرات أفضل في القراءة والكتابة، وإجراء العمليات الحسابية إذا ما قورنوا بالأطفال الذين نشأوا في كنف الأم، أو كنف الأب، وهذا كله لأن أحد الأبوين لا يستطيع بمفرده تكوين بيئة أسرية جيدة، فتكامل الأبوين والتفاعل بينهما وإشرافهما المباشر على تربية الأبناء، أمور أساسية في تكوين البيئة المطلوبة.

هذه رسالة تحذيرية إلى الآباء الشكليين والأمهات الشكليات المشغولين بكل شيء إلا تربية أبنائهم.

وفي دراسة غير متوقعة النتائج، قارن فيها بعض علماء النفس الأمريكيين بين عينة من بنات وُلِدن ورُبّين في السجون مع أمهاتهن، وعينة أخرى من أطفال الأثرياء المولودين في جو من الترف والرفاهية، وكانت النتيجة أن الأطفال الذين نشأوا على أيدي الخدم والمربيات المستأجرات في القصور - نظرًا لانشغال أهلهم عنهم- لم يتفوقوا في شيء على أطفال السجينات، وذلك بفضل بقاء هؤلاء إلى جانب أمهاتهم، على الرغم من ظروف السجن.

وأجريت دراسة في جامعة الأمير نايف حول الواقع الاجتماعي لأسر الأحداث العائدين إلى الانحراف، وتبين أن أولئك الأحداث يفتقرون إلى العلاقات الأسرية السوية، فالعلاقة بين الحدث وإخوانه مقطوعة، وأحيانًا يسودها العداوة، كما أن العلاقة بين الأبوين والحدث غير سوية، حيث يستخدم الأبوان أساليب غير تربوية: مثل انخفاض مستوى الرقابة والضبط، ومثل السيطرة والقسوة الزائدة، ومثل الإهمال والتفرقة بين الأبناء.

وأثبتت دراسات عدة: أن الجو العائلي حين يفتقر إلى الرقة والحنان والعطف والطمأنينة، يدفع المراهقين إلى اكتشاف قوة وعمق العلاقة بأقرانهم، والذين يجدون لديهم من الأمان والتفاهم والمساندة ما فقدوه لدى أسرهم، وهذا كثيرًا ما يفضي إلى انحرافهم.

في الأسرة المتعلمة والمهتمة، يكمل كل الأبناء أو معظمهم تعليمهم، ويتخرجون من الجامعات، وفي الأسر غير المتعلمة، وتلك التي لا تعرف قيمة العلم يترك الأطفال المدارس في وقت مبكر، وتكون الحجة دائمًا: الأولاد لا يحبون العلم، لا يرغبون في المطالعة، ميولهم عملية... وهؤلاء لا يعرفون أن الرغبات والميول يصنعها الكبار، ويزرعونها في نفوس الصغار، وحين لا يعرف الكبار قيمة إكمال التعليم، ولا يهتمون بذلك، فإن من المتوقع أن تكون نسبة كبيرة من أبنائهم فاقدة للرغبة في السير في الطريق العلمي.

مكونات البيئة الأسرية المطلوبة:

أبوان جيدان

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثالثة (هل البيئة هي كل شيء ؟)

الأبوان في الأسرة هما سبب وجودها، وهما عمادها، وملحها، وماؤها، وهواؤها، ومن خصائصهما الشخصية، ومن نوعية العلاقة بينهما، ثم من علاقتهما مع أطفالهما يتكون الجو الإنساني والروحي في المنزل، وأستطيع أن أقول بوضوح: إن التربية سهلة ومثمرة وناجحة إذا كنا نحن الكبار أشخاصًا جيدين، أو لنقل: إذا كانت الفجوة بين ما نقوله وبين ما نفعله ضيقة وضيقة جدًا، أما إذا كنا نطلب من أبنائنا الالتزام ببعض الفضائل التي لا نلتزم بها، ونطلب منهم الكف عن بعض السلبيات التي نقع فيها، فإن تربيتنا لصغارنا ستكون صعبة وعقيمة، ومخيبة للآمال...

إن الأطفال في حالة كهذه سيقولون في أنفسهم: انظروا في المرآة حتى تروا أن ما حملكم على التقصير في بعض الواجبات والوقوع في بعض الأخطاء هو نفسه الذي يحملنا على ذلك، مع أنكم أنتم الكبار الناضجون، والعارفون بالعواقب... وقد صدق من قال: كما نكون تكون تربيتنا.

إن في إمكاننا أن نهرب من رؤية الأطفال، وأن نظن أنهم غافلون عما نفعل، لكن هذا غير صحيح، إن الاختباء منهم غير ممكن، إنهم إن لم يروا ما نخفيه اليوم سيرونه غدًا، ومن أسرّ سريرة ألبسها اللَّـه رداءها؛ وما أجمل قول الشاعر العربي القديم:

ومهما يكن عند امرئ من خليقة

وإن خالها تخفى على الناس تُعلَم

تدل بعض الدراسات على أن أقوى نموذج يؤثر في حياة الطفل هو الوالد من الجنس المماثل، أي أن الذكور يتأثرون على نحو أساسي بآبائهم، والبنات بأمهاتهن، وهذا طبيعي ومفهوم؛ لأن الأبناء يطمحون إلى أن يكونوا في المستقبل على شاكلة آبائهم وأساتذتهم ومن يعتقدون أنهم ناجحون وعظماء، وكذلك البنات... ومن هنا؛ فإن على الرجل حين يخطب فتاة أن يتذكر أنها هي التي ستصنع معه الجو الذي سيتربى فيه أولاده، وأنها ستكون المؤثر الأول في بناته، وعلى المرأة أيضًا حين تستجيب لخاطب أن تتذكر أنه سيكون المؤثر الأول في أبنائها.

يخبرنا بعض البحوث بأن الأطفال الذين لم يظفروا بنماذج جيدة يقتدون بهم في حياتهم يعانون أكثر من الأطفال الذين وجدوا أمامهم نموذجًا يحبونه ويُعجبون به.

ودلت إحدى الإحصائيات: على أن الأطفال يكونون عرضة لإدمان التدخين ثلاث مرات أكثر من غيرهم، إذا كان آباؤهم يدخنون، وتبلغ نسبة إصابة الأطفال بالوزن الزائد أو البدانة المفرطة حين يدخلون في مرحلة البلوغ حوالي (70 - 80%) إذا كان أحد الأبوين يعاني من السمنة المفرطة.

إننا فعلًا نرسم من خلال سلوكنا اليومي مستقبل سلوك أبنائنا، بل إن الأمر يتجاوز ذلك، إننا من خلال البيئة داخل المنزل نعرّف الطفل على ذاته، ونصنع نوعية طموحاته وتطلعاته نحو المستقبل، كما نحدد سقف تلك التطلعات وعتبتها، أي أقصى ما يريده الطفل، وأدنى ما يمكن الرضا به.

إن الفتاة حين تلاحظ أن والدها يتعامل مع والدتها بتهذيب، ويحترم ذكاءها، فإنها تعتقد أن من حقها أن تحظى بزوج يعاملها المعاملة نفسها، وسوف تسعى إلى ذلك، وتطالب به.

وإذا كان الأب يقدم نموذجًا لبرود المشاعر والتجاهل أو التسلط؛ فإنها سوف تقلل من سوية ما تطمح إليه حين يتقدم إليها الخُطَّاب، وإذا لم يتقدم إليها أحد، فربما سعت إلى الصديقات، وإلى (الإنترنت) كي تتعرف على من يملأ ما لديها من فراغ عاطفي، وهكذا تكون قد وضعت نفسها على بداية طريق الانحراف.

نحن لا نريد أن نفرض قيمنا وآدابنا وأخلاقياتنا على أبنائنا، لماذا؟ لأن القيم لا تفرض فرضًا، ولك أن تلمح ذلك في قول الله -جلّ وعلا-: } لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: 256]، وقوله: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس: 99]، هل نريد فعلًا أن ننقل القيم التي نؤمن بها إلى أبنائنا، إذن هناك شيء واحد يمكِّننا من ذلك: هو أن نجذبهم إلينا، وأن يروا في أفعالنا صدقنا ومصداقيتنا، وعزيمتنا وإخلاصنا...

يقول أحد الشباب: حين كنت صغيرًا خرجت مع أبي في سيارته، وإذا بعجوز يعبر الشارع متوكئًا على عصاه، وقد تحول لون إشارة المرور إلى اللون الأخضر وهو في منتصف الطريق، وقد انطلقت السيارات من حوله بسرعة فائقة، فما كان من أبي إلا أن أوقف سيارته، وقفز منها، وقام بدور رجل المرور، وأوقف السيارات، وأخذ بيد الرجل حتى عبر به الشارع، إنني أشعر أنني تعلمت من أبي درسًا في المبادرة والشهامة قد لا أتعلمه إذا قرأت في ذلك كتابًا مؤلفًا من ثلاثمائة صفحة.

إن رحلة تربية الأبناء على النحو الجيد سوف تبدأ من عندنا حين نقرر أن نربي أنفسنا، ونضغط عليها كي نربي أبناءنا، ومن غير هذه العزيمة؛ فإن الخسارة ستكون فادحة!

إن الأمة الفقيرة ليست هي التي لا تملك الكثير من المال، لكنها تلك التي يتلفت أطفالها يمنة ويسرة؛ فلا يرون إلا النماذج الباهتة، ورجالًا ونساء من الدرجة الرابعة، وإن الأسرة الفقيرة ليست هي التي تسكن في بيت متواضع، لكنها الأسرة التي لا يرى صغارها في كبارها شيئًا يملأ العين، هذا هو المعيار الأخلاقي والحضاري للغنى والفقر.

بيئة مرحة ومريحة وهادئة

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثالثة (هل البيئة هي كل شيء ؟)

إن اللَّـه - عز وجل - وهب الطفل شخصية يسكنها الأمل والمرح والطمأنينة والشعور بالثقة، وحب التساؤل والتطلع إلى التعلم، بالإضافة إلى الطيبة والبراءة... ومع مواجهة صعوبات الحياة والتوترات والخلافات بين الأبوين، والأخبار السيئة التي يسمعها من هنا وهناك يخبو بريق روحه، وتبدأ الهموم في شق طريقها إلى نفسه... نحن مطالبون بأن نوفر البيئة التي تساعد الطفل على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من المعاني الرائعة التي زوده الله -تعالى- بها، وهذا يحتاج إلى جهود كثيرة، لعل منها:

أ- التعامل مع الطفل على أنه صادق وموثوق وطيب وحسن النية.

ب- بيت فيه قدر كبير من الهدوء والسلام والأمن.

ج- حب وتعاطف وتقدير واهتمام ولطف.

د- درجة حسنة من المزاح والمرح والتفاؤل.

هـ- التقليل من النقد لمن في البيت، ولمن خارجه قدر الإمكان.

و- لا تثقل الطفل بالأنشطة والدراسة في الصباح والمساء، وحاول فهم حدود طاقته، واعمل على أن يؤدي كل واجباته بشغف وإقبال.

ز- مراعاة الفروق الفردية بين الأبناء، وتوخي العدل، وترك المقارنة السلبية.

ح- احترام متبادل، وتفهم للظروف والأسباب التي قد تجعل الصغير يقع في الخطأ.

ط- الاعتذار عند وقوع الخطأ، سواء أكان ذلك من الكبار أم الصغار.

ي- غض الطرف عن بعض الأخطاء والهفوات، فالناس هكذا يصيبون ويخطئون.

المكان يصنع المشاعر:

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الثالثة (هل البيئة هي كل شيء ؟)

لا نستطيع ونحن نتحدث عن البيئة الجيدة أن نتجاوز مسألة المكان والمنزل الذي يضم أفراد الأسرة، والحقيقة أن تأثير المكان في الإنسان كبير جدًّا، وإننا في البداية نقوم بهندسة منازلنا، ثم تقوم مساكننا بهندسة مشاعرنا، وإن هناك دراسات ومشاهدات كثيرة تدل على أن الناس حين يكونون في مكان واسع وجميل ومكيف وهادئ ومنظم تتولد لديهم مشاعر الرضا والثقة والقوة، ويتبادلون فيما بينهم مشاعر التعاطف واللطف، وحين يكونون في مكان ضيق وحار وفوضوي ووسخ؛ فإنهم يتبادلون فيما بينهم مشاعر الضيق، وتتولد لديهم مشاعر وأفكار سوداوية، وبذلك يتحول البيت إلى بيئة طاردة، وإن من المألوف جدًا في بلاد كثيرة أن تحث الأم أولادها على مغادرة المنزل -بسبب ضيقه- إذا كان لديها بعض صديقاتها، وطبعًا يغادرونه إلى الشارع!

في اعتقادي أن على الأم أن تجعل من بيتها روضة غناء من خلال النظافة والتنظيم والتنسيق، ومهما كانت أحوال الأسرة ضيقة، فإن في إمكان المرأة أن تفعل الكثير على هذا الصعيد.

وقد تطورت فنون تنظيم المساكن وترتيبها وتزيينها، ومعظمها قائم على الكثير من الدراسات والمعطيات العلمية.

إني أدعو الأبوين والأم خاصة إلى الاهتمام بالمنزل؛ ليكون مكانًا للوئام والراحة والسرور، ولا ريب في أن ذلك ينبغي أن يظل في إطار الاعتدال والاتزان.

إن موضوع البيئة الأسرية يتطلب الكثير من القول، وربما عدت إلى شرح وتفصيل شيء مما تحدثت عنه، بغية توضيح الصورة؛ والله المستعان.

=====================

من كتاب: القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" أ.د.عبدالكريم بكّار.

لتحميل تطبيق القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" بشكل كامل على هواتف الاندرويد إضغط هنا: https://goo.gl/GGK2YC

 

 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات