القائمة الرئيسية

الصفحات

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)


القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)



حين يشتري الواحد منا آلة من الآلات الحديثة المعقَّدة التي لا عهد له بمثلها؛ فإنه يحاول تشغيلها واستعمالها من خلال الاطلاع على دليل الصانع (الكتالوج) المرفق بها، أو من خلال سؤال أشخاص سبق لهم تشغيلها، وكثيرًا ما يُحذّرك الصانع من استخدام تلك الآلة قبل امتلاك المعرفة بذلك، وكثيرًا ما وقع الناس في أخطاء أدت إلى إفساد الآلات التي دفعوا من أجل اقتنائها أغلى الأثمان. 

الطفل أعقد من أي آلة، وتحتاج تربيته التربية الرشيدة إلى معرفة وخبرة وحذق، لكن الناس لا يحبون الاعتراف بذلك، ومن هنا؛ فإن الواحد منا يملك الجرأة على أن ينجب سبعة من الولد، دون أن يخطر في باله ما إذا كان في حاجة إلى قراءة كتيب، أو سماع محاضرة، أو استشارة متخصص... ونحن نقطف الثمرات المُرَّة لتلك الجرأة، ونتائج تلك الجرأة تتمثل في انحراف أعداد كبيرة من المراهقين والمراهقات، وفشل أعداد أخرى مماثلة في دراستها وفي حياتها العملية، ولكن مما يبشر بالخير: أننا نلمس اليوم المزيد من الوعي المتنامي بأهمية التربية الجيدة والتعليم المتميز. 

ولعلى أبدي في هذه المسألة الملاحظات الآتية:

ما هي الثقافة التربوية؟

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

تعني الثقافة التربوية: مجموعة المعلومات والخبرات التي نحتاج إليها في تكوين البيئة التربوية، وفي طرق تهذيب الأبناء وتنشئتهم النشأة الصالحة، وفي التعامل مع مشكلاتهم وأخطائهم. 

وتعني الثقافة التربوية كذلك: فهم جوهر التربية، وأنها قائمة على التفاعل وبناء الروح الجماعية، وما يتطلبه ذلك من مبادئ وقيم وتضحيات وأفكار ومفاهيم، وهذه المكونات لن تكتمل أبدًا، حيث سنظل نشعر بأننا نواجه مواقف تربوية، لا نعرف كيف نتصرف فيها على النحو المناسب، وما ذلك إلا لأنَّ التربية عملية معقدة جدًا، وتتطلب قدرًا جيدًا من المعرفة والحكمة، وقدرًا جيدًا من الاتزان الانفعالي لدى المربي، إلى جانب قدر من الخبرة والممارسة العملية، وإن كل ذلك لا يعني كثيرًا إذا لم يصحبه شيء من توفيق الله -تعالى- وهدايته وتسديده، وهذا ما لا يصح أن نغفل عن طلبه والدعاء به.  

التربية ممتعة جدا وشاقة جدا جدا

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

التربية عملية ممتعة جدًا وشاقة جدًا، وإن جزءًا من مشقتها ينبع من أننا نشعر بالمعاناة، ونشعر أننا نضحِّي ونبذل، ولكن لا نلمس آثار ذلك في شخصيات الأبناء وسلوكهم، وهنا أود أن أذكّر بما ذكره أحد الباحثين عن شجرة (البامبو) الصينية، حيث إنها تظل بعد وضع البذور نحوًا من أربع سنوات تضرب بجذورها الليفية في الأرض، ولا يُرى منها سوى برعم صغير ينبت من البصلة، وفي السنة الخامسة يصل ارتفاع الشجرة إلى ثمانين قدمًا ! 

نعم هذا هو شأن التربية، علينا أن نستمر في العمل ولو لم نر النتائج، ولم نلمس التغيرات، فهي موجودة، وكثيرًا ما تظهر فجأة، ومن ثم، فلا داعي إلى اليأس والقنوط والملل والسأم.  

من البيئات الضيقة إلى البيئات الواسعة

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

مجتمعاتنا تشهد حركة انتقال سريعة من البيئات البسيطة والضيّقة إلى البيئات المعقّدة والواسعة، ويصحب هذه الحركة الكثير من التغيرات التي تنعكس على تربية الأبناء. 

في البيئات الضيقة يكون التكافل بين الناس كبيرًا؛ لأن تواصلهم يكون شديدًا، ومن ثم؛ فإن إحساسهم بأوجاع بعضهم بعضًا يكون قويًا، وهذا يجعل الواحد منهم يشعر بأنه يتحمل نوعًا من المسؤولية الأدبية عن سلوك أبناء أقربائه وجيرانه وأصحابه، كان المجتمع كله يربي ويساعد ويتكافل، لكن الأمر يتطور على نحو سلبي، حيث اتسعت مساحة الخصوصية الشخصية، وصار كثير من الآباء لا يقبل أي تدخل في شؤون أبنائه، كما نشهد اليوم نوعًا من الانكفاء على الذات، ونوعًا من الإخلاد إلى الملذات الفردية عوضًا عن الأفراح الجماعية، إننا نتجه فعلًا نحو المزيد من العزلة ! هذا يعني: أن على الآباء أن لا ينتظروا العون الاجتماعي المعهود على تربية أبنائهم، وعليهم أن يتحملوا عبء التربية بمفردهم، وهذا يعني من وجه آخر: أن إصلاح الخلل الذي في حياتنا لن يتجه من الخارج إلى الداخل، وإنما من الداخل إلى الخارج. 

الأسرة المؤمنة الخيّرة النبيلة هي التي ستسعف المجتمع بالنماذج الممتازة، دون أن تنتظر منه الكثير من المساعدة، وهذا مؤسف!  

انهيار الاسرة اساس انهيار الحضارة

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

انهيار الحضارة نابع من انهيار المجتمع، وانهيار المجتمع نابع من تفكك الأسرة؛ لأن الأسرة هي الوحدة الأساسية المكونة للمجتمع، وإن أسباب تفكك الأسرة كثيرة، لكن علينا أن نفتح عيوننا على أشدها خطورة، وهي انهيار العقيدة وخمود جذوة الإيمان في النفوس، إلى جانب ضعف شعور الأبوين بالمسؤولية تجاه الأبناء، بالإضافة إلى البحث عن الملذات والمسرات بأساليب منحطة، وبوصفها أشياء قيّمة يتهافت عليها الأبوان. 

ومن هنا؛ فإن جهودنا في حماية الأسرة تشكل مساهمة كبيرة في حماية المجتمع، وحماية الأمة من التدهور، وحماية العقيدة من الذبول.  

علينا ام نتخذ من الحالات الصعبة مفتاحا للتثقف

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

لا بد من القول: إن معاناة الناس في تربية أبنائهم متفاوتة، فهناك من الأبناء من تشعر أنه منحة إلهية من أجل مساعدة أبويه على تربية إخوته الصغار، إنه مهذب وذكي ومطيع ونبيه ومجتهد...

ومنهم من يعكر مزاج أسرته عقدًا أو عقدين من الزمان، ولهذا لا بد - كما أشرت - من الإكثار من الدعاء لأبنائنا بالهداية والصلاح، ولا ينبغي أن نسأم من ذلك أبدًا، لكن أود أن أقول هنا: علينا أن نتخذ من تربية الأبناء ذوي الطبائع الصعبة  والمزعجة مفتاحًا لثقافتنا التربوية والأسرية، وعلى سبيل المثال، فإننا إذا كنا نعاني من (عناد) أحد الأبناء، وضعف استجابته للإرشاد والتوجيه، فإن المطلوب ليس الشكوى، ولكن أن نقرأ حول التعامل مع الطفل العنيد، تمامًا كما نقرأ لو كان أحد الأبناء مصابًا بفصام الشخصية، أو بمرض غريب يحتاج إلى عناية خاصة.

تعاملنا مع الحالات الخاصة والصعبة يشكل اختبارًا لنا، وعلينا أن ننجح في ذلك الاختبار.

أسرة لديها ولد كسول، ولا يحب الدراسة، ما الذي عليها أن تفعله؟

عليها أن تقرأ وتتثقف حول التعامل مع الطفل الكسول، وأن تتخذ موقفًا موحدًا وصارمًا تجاه محاولته تَرْك المدرسة، بالإضافة إلى استشارة متخصص، واستخدام كل وسائل التشجيع على التعليم، وهكذا تصبح الصعوبات التربوية مصدرًا لإثراء ثقافتنا التربوية، وتجديد عزمنا على المضي قدمًا في التهذيب والتوجيه عوضًا عن أن نقف موقف اللامبالاة، أو موقف العجز والاستسلام. 

ثقافة تربوية لكل الاسرة

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

الثقافة التربوية ليست مهمة للأبوين فحسب، إنها مهمة للأسرة كلها، لن يستطيع الأبوان بمفردهما تحمل كل أعباء التربية، فحين يكون لديك في المنزل أبناء في العقد الثالث والثاني والأول، ويكون لديك أطفال دون سن المدرسة، فإن المطلوب هو تعاون كل هؤلاء مع بعضهم في تنمية الآداب والأخلاق الإسلامية داخل الأسرة، والتعاون على محاصرة الأخطاء...

نحن نريد أن نتخذ من أخطاء الأبناء وعثراتهم وإخفاقاتهم مناسبات لإظهار الثقافة العامة للأسرة، هذه بنت رسبت في الاختبار النهائي، وأخذت تبكي وتصيح، هذه فرصة لإظهار كل التعاطف معها، وكل المساندة والملاطفة لها حتى تجتاز الأزمة.

هذا ولد وقعت بينه وبين أخيه مشادة كلامية، وحصل فيها سوء تفاهم وتجاوز لحدود الأدب، هذه فرصة أخرى كي يعتذر المخطئ منهما، وفرصة للآخر كي يبدي كرمه وصفحه.

ولد اغتاب أحد الأشخاص، هذه فرصة للدفاع عن الغائب، والتنبيه على خطأ هذا التصرف... نحن نريد للأشياء التي تباعد الأسر الجاهلة والمفككة أن تكون عوامل لتقوية الروابط الأسرية، وإنضاج المشاعر والعواطف الجماعية، وتحسين درجة الوعي، ونحن نستطيع ذلك بحول الله وطوله.  

الاختلاف بين الناس هو الاساس


القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

لعل من أكبر الأخطاء التي نرتكبها في حياتنا العامة، وفي حياتنا الأسرية: الاعتقاد أن الآخرين يفكرون بنفس طريقتنا، كما أن عليهم أن ينظروا إلى الأشياء نظرة مشابهة لنظرتنا لها، هذا خطأ كبير، كثيرًا ما نقع فيه.

إن الله -جل وعز- جعل اختلاف نفوسنا وعقولنا قريبًا من اختلاف وجوهنا، وكما أن في اختلاف وجوهنا ثراءً عظيمًا، وفوائد لا تحصى، فإن في اختلاف عقولنا ورغباتنا فوائد -أيضًا- كثيرة، ولهذا فإن ما يصلح في التعامل مع أحد الأبناء، قد لا يصلح في التعامل مع أخيه، وإن ما يرغب فيه أحد الأبناء، قد يمقته ابن آخر، وهكذا... والمطلوب: هو إثراء ثقافتنا التربوية على نحو مستمر، وتنويع أساليبنا التربوية مع أبنائنا، وأنا أعرف أن هذا شيء صعب وشاق، ولكن لا بد منه، وإلا؛ فإن الإخفاق قد يكون حليفنا، ونحن نعرف كثيرًا من الآباء والأمهات الذين يستغربون لماذا ينجح أسلوب تربوي مع ولد، ولا ينجح مع أخيه، مع أن الذي يستحق الاستغراب فعلًا هو نجاح أسلوب تربوي واحد مع عدد من الأبناء. 

التربية جهد مشكور وقضاء للدين

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الأولى (ما قبل الإنجاب)

سوف تشعرون من خلال المطالب التربوية الحديثة بأننا معاشر الآباء مطالبون بعمل أشياء كثيرة جدًا، ربما تفوق طاقاتنا، وتُثقِل كواهلنا، وأنا أعتقد أن هذا الشعور صادق ودقيق، فالتربية تحتاج إلى عمل ومتابعة سبعة أيام في الأسبوع، وأربعًا وعشرين ساعة في اليوم، وهي في بعض الأحيان تشبه حرب العصابات، أو تشبه الحفر في الصخر، هي هكذا، وهذه هي طبيعتها، لكن علينا أن نتذكر شيئين: 

الأول: هو أن الجهد الذي نبذله في توجيه أبنائنا جهد مأجور - إن شاء اللَّـه-، فنحن السبب في وجودهم، ونحن الذين نرشدهم إلى الخير، وندلهم عليه، ونحن الذين نزرع في قلوبهم حب الله ورسوله، ونعمل على أن يكونوا فضلاء، ونضحِّي بالكثير من أجل ذلك.

فالمأمول من اللَّـه - جل ثناؤه -: أن يجعل صالح أعمالهم في صحائفنا، وأن يرفعنا بدعائهم لنا بعد موتنا، وهذا حين يتحقق يكون فيه مكافأة سخية على جهدنا في تربيتهم.

الثاني: هو أن علينا أن نتذكر أن ما هو مطلوب منا اليوم تجاه أبنائنا، كان مطلوبًا من أبنائنا وأمهاتنا تجاهنا، وسيكون مطلوبًا من أبنائنا تجاه أبنائهم، فالمسألة دَيْن ووفاء، وأخذ وعطاء.

بالمعرفة والخبرة والتفاؤل والصبر والمثابرة يمكننا أن نفعل الكثير، وسنفعل؛ بإذن اللَّـه تعالى.

=====================

من كتاب: القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" أ.د.عبدالكريم بكّار.

لتحميل تطبيق القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" بشكل كامل على هواتف الاندرويد إضغط هنا: https://goo.gl/GGK2YC

 

 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات