القائمة الرئيسية

الصفحات

القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الخامسة (تربية قائمة على الوضوح)

القاعدة الخامسة (تربية قائمة على الوضوح)

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الخامسة (تربية قائمة على الوضوح)



يمكن القول: إن ( الوضوح ) يشكل واحدة من أكبر فضائل الحياة؛ لأنه يتصل بالبصر والبصيرة، والعلم والنور، والوعي والفهم، أو هو محصلة جوهرية لكل ذلك.

ومن هنا؛ فإن الأسرة الناجحة هي أسرة واعية بأوضاعها، وواعية أيضًا بأهدافها، وبالوضعية التي تريد لأطفالها أن يكونوا فيها في المستقبل، وهذا الوضوح هو ثمرة عظيمة للقراءة في التربية، ولفهم روح العصر، وحقيقة الإسلام وآدابه وأخلاقه، وثمرة للاطلاع على الممارسات التربوية خارج محيط الأسرة.

نحن نؤمن بأن الوضوح التام في كل شيء ليس ممكنًا، فنحن البشر رؤيتنا قاصرة، ووعينا محدود، وضوح الأمور أمام عيوننا دائمًا باهت، ولكن سنحاول على كل حال الوصول إلى أفضل وعي ممكن.

ولعلي أسلط الضوء هنا على الوضوح في أمور ثلاثة: واقع الأسرة التربوي والعام، والأسلوب الأمثل لتعاملها مع أبنائها، والقيم والأخلاق والمعاني التي تحب أن تربي أبناءها عليها.

وضوح الوضع الحالي للأسرة

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الخامسة (تربية قائمة على الوضوح)

لا شك في أن كل أسرة تمتلك بعض الملاحظات عن وضعها العام: مدى استقامتها، مدى انسجامها، مدى نجاحها... لكن المطلوب دائمًا هو تحسين ما هو متوفر، وأعتقد أن أهم ما يحتاج إلى المزيد من الوضوح الأمور الآتية:

1- التفاهم بين الزوجين على الأسلوب التربوي الذي ينبغي اتباعه في تربية الأبناء، ومع أن التفاهم الكامل غير ممكن ولا مطلوب، لكن لا يصح في حال من الأحوال أن يتمكن الأطفال من شق صف الأبوين، وتحويلهما إلى شخصين متناحرين ومتباعدين؛ كما يحدث في كثير من الأحيان.

في ساعات الصفاء والهدوء يمكن تحديد بعض الأمور، والاتفاق على بعض الإجراءات تجاه بعض الظواهر السلوكية المزعجة لدى الأبناء، كما يمكن التأكيد على تقاسم الأدوار: أنا أفتح الحديث، وعليك إكمال الباقي... أنت تسأل الولد أين كان أمس، واترك الباقي علي، وهكذا...

2- هل تنظر الأسرة - الأبوان والأبناء الكبار - إلى نفسها على أنها أسرة ملتزمة ومتدينة؟ وما درجة ذلك؟

إن أدنى درجات الصلاح يتمثل في فعل الواجبات، وترك المحرمات، فهل يمكن للأبوين أن يقولا: إنهما يحققان فعلًا الحد الأدنى من الصلاح؟

وهل هما حريصان على أن يكون أبناؤهما صالحين؟

وهل ينجلي ذلك في توجيهاتهما لهم؟ وإذا كان الجواب سلبيًّا؛ فما الذي يمكن فعله لتدارك ما يمكن تداركه؟

إن الأجوبة على هذه الأسئلة ينبغي أن تكون نظرية وعملية حتى تؤتي ثمارها على الوجه المطلوب.

3- ينبغي أن نتأكد من شيء مهم هو الجو الأسري المتوفر لدينا، هل هو جو صحي ومريح وإيجابي؟ هل هو جو يشعر فيه الأطفال بالأمن والأمان والثقة بالنفس والانتماء؟ هل التربية في أسرتنا تقوم على التحابب والتواصل؟ وهل ينظر الأبوان إلى الأولاد على أنهم أهم مشروع في حياتهما؟ وهل يشعران بأنهما يملكان المهارات الضرورية لإدارة ذلك المشروع والنجاح فيه؟ هل يجلس الأبوان مع بعضهما للتذاكر في أحوال الأسرة، واستعراض حاجاتها التربوية؟ أو أن كل شيء يمضي على عجل، مع الشعور بأنه ليس في قضايا الأسرة ما يستحق المذاكرة والمراجعة؟ إذا كان الأمر كذلك؛ فهذا يعني أن هناك مشكلة كبيرة!.

4- تعالوا بنا نجدد في الأعراف داخل الأسرة، وتعالوا بنا نجعل العلاقات داخلها أكثر شفافية وأكثر صراحة، وليكن ذلك هذه المرة من خلال مساهمة الأبناء.

نحن الكبار نقدم خدمة للصغار، ونرجو عليها الثواب من اللَّـه - تعالى -، وإن من حق الذين يتلقون الخدمة أن يوضحوا رأيهم فيها، في إحدى الأسر المرموقة والمتعلمة قام الوالد بكتابة استبيان ضمَّنه عددًا من الأسئلة، وطلب من أولاده ملأه، وبعد أن قاموا بملئه عقد مع أفراد أسرته العديد من اللقاءات من أجل فتح خط سير جديد للأسرة بناء على ملاحظات الصغار، وقد كان المطلوب من الطفل أن يذكر الجواب والسبب والعلة حتى يكون وضوح الإجابة عاليًا، وحتى يتأكد الوالد أن الطفل فهم السؤال وأجاب عنه بجدية، وقد كان من جملة تلك الأسئلة:
  • ما مواصفات الأسرة الجيدة في نظرك؟ وما الذي ينقص أسرتنا منها؟
  • ما الشيء الذي تظن أن أسرتنا تتفوق فيه على أسر أقربائنا وأصدقائنا؟
  • هل تشتاق للبيت إذا خرجت منه؟
  • ما الأمور التي تجعلك ترتاح حين تكون في البيت؟
  • ما الذي تفخر بمساهمتك به في أسرتك؟
  • هل في أسرتنا أمور تكره أن يطلع عليها الناس، وتشعر بالحرج لو سمعوا بها؟
  • ما أكثر ما يثير إعجابك في أخلاق أبيك وأمك؟ 

يقول رب الأسرة: أستطيع أن أقول: إن حياتنا تنقسم إلى فصلين أو مرحلتين: مرحلة ما قبل الاستبيان، ومرحلة ما بعد الاستبيان، حيث إن من الصعب عليَّ أن أصف التقدم الذي حدث في أسرتنا بعد تحليل الأجوبة وتطوير علاقاتنا وأنشطتنا على أساسها! هل نجرب؟

إن الوعي بالحالة الحاضرة شرط مهم لصواب الخطوة الجديدة التي علينا أن نخطوها، إننا إن لم نعرف أين نقف؛ فسوف يكون من العسير علينا أن نحدد: (إلى أين نتجه؟).

وضوح ما ينبغي عمله، وكيف يُعمل

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الخامسة (تربية قائمة على الوضوح)

حين نهتم بتربية أبنائنا؛ فإننا سنسعى إلى تحسين الثقافة التربوية التي نحتاجها في توجيههم والتعامل معهم، تلك الثقافة هي مرشد لما ينبغي أن نعمله، ومعيار نقوّم من خلاله أساليبنا التربوية المتبعة، وأعتقد أن نجاح كثير من الآباء والأمهات في تربية أبنائهم يعود إلى أنهم استطاعوا إيصال رسائل محددة وواضحة لأبنائهم حول ما يريدونه منهم، وحول العقوبات التي يمكن أن تنالهم عند الوقوع في الخطأ، ولعلي هنا أتحدث عن شيء من وضوح تلك الرسائل عبر الآتي:

1- حين يريد أحدنا أن يتحدث مع أحد أولاده في موضوع من الموضوعات؛ فليخطط له، وليتخيل ردود فعل الولد، وما يمكن أن يقوله، وبالتالي كيف يرد عليه ويناقشه.. وعليه أيضًا أن يختار الوقت المناسب للمفاتحة، فالحديث المجدي والمثمر مع الأبناء يحتاج إلى استعداد يشبه استعداد أحدنا لإجراء مكالمة هاتفية مهمة، والهدف هو أن نقول ما لدينا بوضوح ودقة، وأن يقع في نفوس الأبناء في الموقع الذي نحبه.

2- حين يقع أحد الأولاد في مشكلة مثل الشجار مع ابن الجيران، أو الرسوب في إحدى المواد، أو فقد شيء ذي قيمة عالية؛ فإن الوضوح يكون أيضًا مطلوبًا من أجل تجاوز الأزمة، وتكون البداية في أن يتحدث الولد عما جرى له بكل أريحية وهدوء، وحتى نتأكد من أنه يعي ما يقول، ونتأكد من أنه واثق تمامًا مما قاله، فإننا نعيد عليه ما ذكره: أنت قلت كذا وكذا، هل أنت جازم بذلك؟ هل فهمت تمامًا ما نريد؟ وبعد ذلك يقوم الطفل، ويقوم الوالد، وكل مَنْ هُمْ مشاركون في الاجتماع بكتابة قائمة بالحلول المقترحة، ويجري بعد ذلك التداول فيها من أجل اختيار أفضلها.

3- من المهم تجنب الرسائل الطويلة والغامضة.

هذا أب يقول لابنه -ابن التاسعة-: أريد منك يا بني أن تكون عطوفًا على إخوتك، ومهذبًا مع والدتك، كما أريد منك أن تكون مجتهدًا في دراستك، وحين تجد بعض الوقت؛ فإني أتوقع مساعدتك في عملي في المزرعة. 

هذه رسالة طويلة جدًا وغامضة، فالطفل قد لا يفهم معنى: ( عطوفًا )، ولا معنى: ( مهذبًا )، اطلب من الطفل في المرة الواحدة شيئًا واحدًا، واشرح له بإسهاب طبيعة ما تطلبه منه.

4- حين يدخل الأولاد في طور المراهقة؛ فإن الخطاب معهم يحتاج إلى حذر، ويصبح الوضوح والتحديد أكثر أهمية؛ لأن المراهقين يعرفون كيف يعثرون على الثغرات في كلامنا حتى لا يذعنوا لما نطلبه منهم، هذا فتى في الخامسة عشرة يقول لأبيه: سأخرج اليوم مع بعض الأصدقاء، فيقول له الأب: لا بأس، لكن بشرط ألا تتأخر، فيقول الولد: إن شاء الله، ويعود الفتى الساعة الواحدة ليلًا، ويقلق عليه أهله، وحين يُسأَل عن سبب تأخره يقول: أنا لم أتأخر، ونحن الآن في إجازة الصيف، وبعض زملائي يعودون إلى بيوتهم بعد الفجر! كان المطلوب من الأب أن يقول لابنه: أسمح لك بالذهاب بشرط أن تعود إلى المنزل قبل الساعة الثامنة، وإذا تأخرت عن هذا الموعد؛ فلن أسمح لك بالذهاب مع أصدقائك خلال هذا الشهر، هل هذا واضح؟

5- تتطلب التربية الرشيدة: أن يكون في البيت بعض القوانين التي يلتزم بها الجميع مما يتعلق بالنوم، ونظافة المنزل، والهدوء، والطعام والشراب، والخروج من المنزل، والعودة إليه، واستخدام الهاتف، وأشياء من هذا القبيل، والمطلوب في تلك القوانين شيئان:
  • أن تكون قليلة قدر الإمكان؛ حتى يحفظها الصغار.
  • أن تكون واضحة جدًا حتى يعقلوها، وإن بعض الأسر تكتب تلك القوانين على لوحات جميلة، وتعلقها على جدران المنزل، وهذا شيء جيد جدًا.

6- قد يكون من المفيد كتابة بعض العقود مع الأبناء والبنات حول سلوكهم واجتهادهم وعلاقتهم ببعضهم وبالناس من حولهم، ولا بد من أن يكون العقد واضحًا جدًا، وأن ينال الرضا التام من الطرفين، حتى إذا وقع الطفل في مشكلة قلنا له: العقد الذي بيننا في هذه القضية ينص على كذا وكذا، وبما أنك لم تلتزم بالاتفاق؛ فإن عليك أن تتقبل الجزاء والعقوبة، هذه أُمٌّ اتفقت مع ابنتها على أن تذاكر في مساء كل يوم ساعتين، واتفقت معها على أن وقت النوم هو الساعة العاشرة، كما اتفقت معها على أن تنظّم غرفتها قبل الذهاب إلى المدرسة، وقد كتبت الأم الاتفاق على نسختين، وبقي مع كل طرف نسخة، وكلما حدث خرق لهذا الاتفاق من قبل البنت أخرجت الأم نسخة العقد التي معها، وقالت للبنت: انظري كيف تخرقين ما اتفقنا عليه مرة بعد مرة، وانظري -أيضًا- إلى الجزاء الذي اتفقت معك عليه في حال عدم التزامك بما هو مكتوب.

7- هناك شيء مهم نحتاج إلى الوضوح فيه، وهو أن التربية ليست عبارة عن متابعة مستمرة للصغار، وليست عبارة عن حشرهم في الزاوية الضيقة، وإملاء التعليمات عليهم... إنها أكثر من ذلك، فطاقة الأبناء على تحمل الضغوط التربوية محدودة، ولهذا؛ فإن من المهم أن نمنح الأولاد مساحة لممارسة الاجتهاد الشخصي والتعثر أحيانًا، علينا ألا نظن أن الولد لا يتعلم إلا من خلال إرشادنا، إنه يتعلم على نحو أساسي حين يخوض في التجربة، وكما قال أحد الآباء: إني أشجع ابني على القيام ببعض الرياضات التي تنطوي على شيء من المغامرة والخطورة، لكن لا أغفل عنه، وإنما أقف قريبًا منه، وبيدي الضماد والمسكّن، وحين يأتينا باكيًا أسعفه، وأطبع على خده قبلة من أجل تخفيف وطأة الفشل عنه.

اسأل وناقش وتابع، ولكن اترك له القرار، واترك مساحة يجرب فيها ما لديه من مواهب وإمكانات، وستجد فعلًا أنك ربيت رجلًا بمعنى الكلمة. 

ما نحب أن يكون أبناؤنا عليه

 القواعد العشر أهم القواعد في تربية الأبناء | القاعدة الخامسة (تربية قائمة على الوضوح)

يقولون: لا أحد يتمنى لأحدٍ أن يكون أفضل منه إلا الأب وإلا الأم فإنهما يتمنيان لأولادهما أن يكونا خيرًا منهما، وذلك لأن الأولاد هم جزء من آبائهم وأمهاتهم، ولهذا فإن كل شخص يتمنى أن يكون أبناؤه في القمة في كل أمر مرغوب فيه، لكن الأمنيات وحدها لا تكفي، بل لا بد معها من أن نكون على وعي بالهيئة والوضعية التي نتمنى أن يكون أبناؤنا فيها وعليها، حتى نربيهم على الأخلاق والقيم التي تُوصِل إليها.

كل الآباء يحبون أن يكون أبناؤهم قمة، لكن الذين يعرفون كيف يوصلون أبناءهم إلى القمة قليلون! وأود على هذا الصعيد أن أشير باختصار شديد إلى الأمور الآتية:

1- إن أهم ما نرجوه لأولادنا أن يكونوا في المستقبل رجالًا صالحين، ونساءً صالحات يلتزمون بتعاليم الإسلام نصًّا وروحًا، ويحبون الله ورسوله، ويحملون مشاعر الانتماء لهذه الأمة، وكل ذلك من أجل نجاتهم في الآخرة، وفوزهم برضوان الله -تعالى-، وهذا يحتاج منا أن نجعل من أنفسنا قدوات لهم في الصلاح والعبادة وحب الخير، وتزداد أهمية هذا المعنى في زماننا هذا حيث تعيد العولمة إعادة ترتيب العالم بطموحاته ومبادئه ورمزياته، فإذا لم تكن عيوننا مفتوحة بشكل جيد؛ فقد نخسر أبناءنا من غير أن نشعر.

2- أن نبعث في نفوسهم مسألة الاعتزاز بالذات وتقديرها، أو بعبارة أخرى: أن نربي في شخصياتهم معاني المروءة والشهامة والترفع عن الدنايا، والشعور بكياناتهم على أنها كيانات جديرة ومحترمة، وذات قيمة، وقادرة على الإنجاز الكبير والعطاء، وتملك الممانعة في وجه الشرور والمغريات.

إننا لا نريد منهم في الأساس أن يطلبوا احترام الناس، لكن نريد منهم أن ينظروا إلى أنفسهم على أنهم أشخاص محترمون، ويكون احترام الناس لهم نتيجة طبيعية لما يملكون من صلاح وكفاءة.

إن احترام النفس هو - بحق - جوهر الصحة العقلية، والافتقار إلى تقدير الذات هو أصل كثير من الأمراض الشخصية والاجتماعية.

احترام الذات يظهر على نحو جليّ حين يتعرض الإنسان للفشل والإحباط، وحين يواجه ضغوطات كبيرة، إنه يتجلى في صمود المرء وكبريائه ومقاومته، وهو يلقِّح صاحبه ضد الجريمة والعنف والتبعية والدونية.

أما الشعور بالضَّآلة وازدراء الذات؛ فإنه يدفع في البداية في اتجاه العزلة والسلبية والشعور بالمرارة، ثم يحفز صاحبه على الثورة ضد سلطة الآباء والأمهات، وسلطة النظام والقانون؛ ليندفع في طريق الإجرام.

إذا كنا نريد لأبنائنا أن يحترموا أنفسهم، فلنعاملهم على أنهم أشخاص محترمون فعلًا، ولندربهم على طلب معالي الأمور، والترفع عن الدنايا، وكل ما لا يليق.

3- لدينا مجموعة من القيم الأساسية التي تشكل عماد الشخصية الممتازة، أحب استعراض أهمها عبر الحروف الصغيرة الآتية:

أ- أود أن أؤكد على أمر في غاية الأهمية، وهو أن من غير الممكن فرض المبادئ والقيم على أحد، سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا.

الأخلاق والقيم يتشرَّبها الأطفال من خلال احتكاكهم بالكبار وإعجابهم بهم، وقد رأيت كثيرًا من الناس الذين يفرضون أخلاقًا فاضلة على أبنائهم، ويحملونهم على سلوكيات معينة بالضغط والإكراه، ورأيت تلك الأخلاق والقيم وهي تتهاوى سريعًا لدى أبنائهم عند أول امتحان، ولهذا فإن الإقناع والاقتناع هو الأساس، والضغط يجب أن يتجلى في التذكير بالقيم الفاضلة بطرق مختلفة، ومع التذكير علينا أن نعترف أن تغلغل القيم في السلوك ليس بالأمر اليسير، وحبذا لو أننا معاشر الآباء وقفنا مواقف غير أبوية، نعترف فيها بأننا لما كنا في سنهم وقعنا في أخطاء تخالف مدلول الأخلاق، ولكن كنا نؤوب ونصحو ونندم، فهذا يخفف عنهم من وطأة الشعور بالذنب، ويقرِّب المسافة الروحية بيننا وبينهم.

ب- الصدق من أهم الأخلاق التي ينبغي أن نكون واضحين في الاهتمام بها، وأقول في البداية: إن أكاذيب الأطفال الصغار ليست - في الغالب - أكثر من مجرد أمنيات، فهم يعيشون في عالم من الخيال تتحول فيه الأشياء إلى حقيقة لمجرد اعتقادهم أنها حقيقة، ولهذا فإن الصغار لا يشوهون الحقيقة عمدًا، وذلك لأن فهمهم للصدق وإحساسهم بالفضائل الأخلاقية لم ينضج بعد.

نستطيع أن نرسخ قيمة ( الصدق ) في عقول الأطفال من خلال طرح الكثير من الأسئلة حول الصدق والكذب، وحول بعض المواقف التي يتجلى فيها كل منها، ومن تلك الأسئلة:

•        لماذا الكذب خطأ؟

•        ما الضرر في أن تقوم بالغش في أحد امتحانات المدرسة؟

•        ما معنى قولهم: حبل الكذب قصير؟

•        لماذا كان الصدق يهدي إلى البر؟ (البر اسم جامع لكل أنواع الخير).

•        إذا جمعت نقودًا خلال سنة، وجاء من خدعك وأخذها منك، كيف يكون شعورك؟

•        إذا عرض عليك شخص ما مبلغًا كبيرًا من المال كي تفشي سرًا كنت أقسمت أن تحتفظ به طي الكتمان -مع العلم أنه لن يضارّ أحد من إفشائه-، هل تستجيب إليه؟ 

حين يصبح الأولاد في سن المراهقة يختلف الأمر، ويصبح تجنب كثير من الأبناء لقول الحقيقة أمرًا واضحًا جدًا، فإذا رأيت قصة محبوكة ومحكمة؛ فقف موقف الشاكّ، لأن براءة الأطفال قد انتهت...

ج- خلق الشجاعة الأدبية أيضًا من الأخلاق المهمة، وهو يعني قول الحق والدفاع عنه، والصراحة في إبداء الملاحظات على ما يجري حول الطفل، وتعني الشجاعة أيضًا: مقاومة ضغوط الرفاق حين يدعونه إلى مشاركتهم في شيء خاطئ، كما تعني الشجاعة كذلك: عدم الاستسلام للصعوبات والشدائد، والاستمرار في محاولة الخلاص منها، والثقة بأن الله -تعالى - سيجعل بعد عسر يسرًا.

حتى نوضح هذا الخلق العظيم للأطفال، وحتى نرسخه في نفوسهم؛ فإن علينا أن نقص عليهم شيئًا من أخبار الشجعان وحكاياتهم، وشيئًا من تجاربنا الشخصية التي نعتقد أننا وقفنا فيها مواقف شجاعة.

إذا نَقَدك الطفل؛ فأصغ إليه، وشجعه على ذلك، وإذا أخطأ في الأسلوب؛ فدلّه على الأسلوب الصحيح، أكد له أن المغامرة تحتاج إلى شجاعة، وأن حساب الأمور بدقة متناهية يدعو في النهاية إلى التقاعس وإلى الجبن.

د- عمل الخير والعطاء ومساعدة الآخرين أخلاق مهمة في زماننا هذا وفي كل زمان، نحن نريد من وراء ترسيخ هذه المعاني في نفوس الأبناء أن نحارب الكبر والأنانية والسلبية والعزلة التي صارت اليوم تشكل أدواء خلقية خطيرة تغزو الناس في كل مكان، لنشرح للأطفال أن الحياة مشاركة وعطاء، وأن خير الناس هو أنفعهم للناس وأوصلهم للرحم، وأرحمهم بالفقير.

شجع الطفل على مشاركة أبناء الضيوف والجيران في ألعابه وما لديه من حلوى، وشجعه على الانخراط في الألعاب الجماعية، ودرّبه على التبرع للفقراء...

بعض الأسر تخصص صندوقًا للإحسان والصدقة تسهم فيه كل الأسرة، وتحتفل بفتحه كل ثلاثة أشهر، وتخصص جوائز لأكثر المتبرعين، وهذا شيء رائع وجميل.

هـ- نحن نحتاج إلى الوضوح في مسألة التعامل مع المال، وفي مسألة العلاقة بين الدخل والعمل.

المال مال الله، ونحن مؤتمنون عليه، وعلينا أن نتصرف في اكتسابه وإنفاقه وفق مراد الله - تعالى -، المال من وجه آخر محور من محاور الحياة، وحين يفتقده الناس يواجهون مصاعب كثيرة، لكن المال لا يحل كل المشكلات، وصدق من قال: رجل بلا مال رجل فقير، وأفقر منه: رجل لا يملك سوى المال، أي: لا أمانة، ولا صدق، ولا تقوى، ولا علم... لديه.

إن رجلًا يفتقر إلى هذه المعاني هو فعلًا أفقر من أي فقير.

إن العلاقة بين كسب المال والعمل الجاد علاقة غامضة في أذهان الأطفال، ويجب أن نوضحها لهم.

شجع الطفل على الادخار، وعلى توفير مبلغ للطوارئ، وعلينا أن لا نسرف في تقديم المكافآت المالية للأطفال حين يحصلون على درجات عالية، أو يقومون بعمل ممتاز حتى لا يصبح المال رمزًا للحب والتقدير، وحتى لا يزداد تعلقهم به.

إن الأمور التي تحتاج إلى المزيد من الوضوح كثيرة، وفيما قدّمنا مقنع؛ والله المستعان في كل حال. 

=====================

من كتاب: القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" أ.د.عبدالكريم بكّار.

لتحميل تطبيق القواعد العشر "أهم القواعد في تربية الأبناء" بشكل كامل على هواتف الاندرويد إضغط هنا: https://goo.gl/GGK2YC

 


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات